في ظل التحركات السياسية المتسارعة بشأن الانتخابات الفلسطينية، وتبلور ملامح تحالف وطني يضم قوى وفصائل ذات توجهات سياسية وفكرية مختلفة، تتزايد التساؤلات حول قدرة الانتخابات المقبلة على إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني، وتجديد الشرعيات، وإنهاء حالة التفرد والانقسام التي ألقت بظلالها على النظام السياسي لسنوات طويلة.
ويرى مراقبون أن اتساع دائرة المشاركة، وانخراط قوى وفصائل متعددة في تحالفات انتخابية، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الشراكة والتعددية، فيما تبرز في المقابل مخاوف من إمكانية تعطيل الانتخابات أو إلغائها إذا شعرت قيادة السلطة وحركة فتح بأن نتائجها قد تؤدي إلى تغيير موازين القوى القائمة.
وقال الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين، في حديث لـ”قدس برس”، إن الانتخابات الفلسطينية “ليست حدثًا عابرًا ولا استحقاقًا شكليًا”، بل تمثل لحظة تاريخية يمكن أن تسهم في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني الذي أنهكته حالة التفرد وأثقلته تداعيات الاحتلال.
وأضاف أن إعلان حركة حماس استعدادها للمشاركة في أوسع ائتلاف وطني ممكن يعكس، وفق تقديره، “وعيًا سياسيًا ناضجًا وإدراكًا بأن المصلحة الوطنية العليا تعلو فوق الاعتبارات الفئوية والحزبية الضيقة”.
وأوضح شاهين أن الانتخابات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها غاية بحد ذاتها، وإنما بوصفها مدخلًا لتجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات على أسس سليمة، بما يضع حدًا لحالة الجمود والعبث السياسي التي رافقت مسار السلطة الفلسطينية على مدى سنوات.
وأشار إلى أن ضعف النظام السياسي الفلسطيني لم ينشأ من فراغ، وإنما جاء نتيجة سياسات التفرد بالقرار الوطني، التي أدت إلى إقصاء شركاء سياسيين وتهميش التنوع الطبيعي داخل المجتمع الفلسطيني، وترسيخ حالة من الاستقطاب والانقسام.
وأكد أن العودة إلى الشعب باعتباره مصدر الشرعية والمرجعية الأساسية للقرار الوطني تمثل، في المرحلة الراهنة، المدخل الأهم لمعالجة الأزمة، معتبرًا أن الانتخابات الحرة والنزيهة يمكن أن تعيد الاعتبار للإرادة الشعبية،A وتكرس مبدأ التداول السلمي للسلطة، وتحول دون احتكار أي طرف للقرار الوطني.
وشدد شاهين على أن المطلوب ليس استبدال حالة تفرد بأخرى، أو تغيير الوجوه مع الإبقاء على النهج ذاته، وإنما بناء نظام سياسي تشاركي يقوم على التعددية والتوافق الوطني، ويستوعب مختلف التيارات والفصائل دون إقصاء أو تهميش.
ويرى أن أهمية الانتخابات المقبلة تكمن كذلك في إمكانية أن تشكل بوابة لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة تمثيلية أكثر شمولًا، وإصلاح مؤسسات السلطة بما يعزز كفاءتها واستقلالها، بعيدًا عن المحاصصة والولاءات الضيقة.
وحذر شاهين من اختزال الانتخابات في منافسة ثنائية بين حركتي فتح وحماس، معتبرًا أن هذا التصور “خطير” لأنه يحصر الاستحقاق الوطني في ثنائية سياسية ضيقة، بينما الانتخابات في جوهرها حق أصيل للشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه بحرية ونزاهة، بعيدًا عن الوصاية أو التدخل.
تحالفات جديدة تعيد رسم الخريطة
ولفت شاهين إلى أن اللافت في المشهد الراهن هو انتظار التحالف الجديد انضمام قوى وشخصيات أخرى من حركتي حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في حركة فتح، معتبرًا أن ذلك يعكس وجود إرادة سياسية لتوسيع قاعدة المشاركة وتجاوز الانقسام نحو صيغة أوسع من الشراكة الوطنية.
وأضاف أن نجاح هذا التحرك قد يمثل نقلة نوعية في المسار السياسي الفلسطيني، من خلال كسر حالة الجمود التي استفاد منها الاحتلال لسنوات، وإعادة توجيه المسار السياسي نحو القوة الشعبية والشرعية المؤسسية، بدلًا من التعويل على الوعود والاتصالات الدولية التي لم تحقق نتائج ملموسة.
وأكد أن الانتخابات، إذا أُديرت بروح وطنية حقيقية، يمكن أن تتحول من مجرد عملية اقتراع إلى فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني “من القاعدة إلى القمة”، واستعادة القرار الوطني من حالة التفرد والانقسام إلى فضاء الشراكة والتمثيل الشعبي.
وفي المقابل، أبدى شاهين تخوفًا حقيقيًا من إمكانية إلغاء الانتخابات أو تعطيلها إذا شعرت قيادة السلطة وحركة فتح بأن نتائجها قد تقود إلى خسارة سياسية وتغيير جوهري في موازين القوى، مستشهدًا بما حدث في تجارب سابقة.
تحولات في الاصطفافات السياسية
من جانبه، قال الصحفي إبراهيم مسلم، في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”، إن التوافق بين عدد من القوى والفصائل الفلسطينية على خوض الانتخابات التشريعية ضمن تحالف وطني واسع لا يبدو مجرد تفاهم انتخابي عابر، بل يحمل دلالات سياسية تتجاوز صناديق الاقتراع.
وأشار مسلم إلى أن حركة حماس أظهرت مرونة سياسية وقدرة على بناء تفاهمات مع قوى فلسطينية مختلفة، بما يعكس توجهًا نحو توسيع دائرة الشراكة الوطنية، في وقت تتجه فيه قوى وفصائل ذات خلفيات فكرية وسياسية متعددة إلى التقاطع ضمن قائمة انتخابية واحدة.
وأضاف أن المشاركة غير المسبوقة لحركة الجهاد الإسلامي، إلى جانب احتمال انضمام الجبهة الشعبية، يمكن أن يمنح التحالف طابعًا وطنيًا أوسع، ويؤشر إلى تحولات في طبيعة الاصطفافات السياسية التقليدية.
وفي المقابل، رأى مسلم أن حالة التشظي داخل حركة فتح، واحتمال تعدد القوائم المنبثقة عنها في الضفة الغربية وقطاع غزة، تعكس عمق الأزمة التي تواجهها الحركة، مقابل توجه قوى أخرى نحو توحيد صفوفها ضمن تحالف انتخابي أوسع.
واعتبر أن الانتخابات قد تفتح الباب أمام إعادة بناء التوازن السياسي الفلسطيني، ووضع حد لحالة الاحتكار والتفرد، بحيث تصبح صناديق الاقتراع الفيصل في تحديد الأوزان السياسية والشرعيات، بدل استمرار شرعيات لم تُختبر انتخابيًا منذ سنوات طويلة.
وختم مسلم بأن اتساع الحاضنة السياسية لخيار المقاومة، وتبلور تحالف وطني يضم قوى متعددة، قد يشكلان أحد أبرز التحولات السياسية في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى”، واختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى الفلسطينية على تحويل التوافقات الانتخابية إلى مشروع سياسي يعيد تشكيل موازين القوى الداخلية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY