نشرت دار المادة كتاب “التحول العظيم: أفكار لعالم قادم” بعد وفاة مترجمها ومؤلفة مقدمته، الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الشهيرة لطيفة الدليمي. وكأنه كتابها الأخير ورسالتها، تركت مفتوحة للمستقبل. أكملتها وهي تعلم، على الأرجح، أن المعرفة لا تقتصر على العمر، وأن الكتاب يمكن أن يصل إلى قارئه حتى بعد وفاة مؤلفه.
لذلك، فإن نشرها اليوم لا يمثل فقط إضافة جديدة إلى إرثها الغني، بل يحمل أيضا معنى تكريم كاتبة ارتبط اسمه لأكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول الفكري والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.
توفيت لطيفة الدليمي في عمان في 8 مارس 2026، بعد يوم واحد من عيد ميلادها السابع والثمانين، تاركة وراءها مجموعة ضخمة من الأعمال التي تشمل روايات وقصص قصيرة ومسرحيات ودراسات ومقالات وترجمات. لم تكن وفاتها خسارة روائية عراقية بارزة فحسب، بل أيضا لشخصية ثقافية نادرة تمكنت، من أول مجموعة قصصية قصيرة لها “ممر إلى أحزان الرجال” عام 1970، من الجمع بين حساسية الكاتبة الإبداعية والمسار الفريد الذي رسمت لنفسها لطيفة الدليمي في السرد العراقي. لم تعامل النساء كمجرد أشياء اجتماعية، ولا كضحايا صامتات، بل كأشخاص يفكرون ويرغبون ويقاومون ويعيدون بناء عالمهم وسط عالم مضطرب. في أعمال مثل “عالم النساء الوحيدات”، “من يرث الجنة”، “بذور النار”، “حديقة الحياة”، “سيدات زحل”، “العشاق، الفونوغراف، والأزمنة”، و”مشروع الأمة”، تتشابك الذاكرة الفردية مع التاريخ العراقي، ويصبح مصير النساء نقطة دخول للتساؤل عن الحرب، المنفى، العنف، المدينة، السلطة، والدمار.
لم تكن رواياتها منفصلة أبدا عن استفساراتها الفكرية؛ كتبت لطيفة الدليمي باستمرار كما لو أن الرواية مختبر معرفة، والخيال ليس نقيض الفكر بل أحد أعمق أشكاله. لهذا السبب كانت تتنقل بحرية بين السرد والفلسفة والعلم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، دون أن تدرك أي حدود مغلقة بين هذه المجالات.
ترجمتها الأخيرة، “التحول العظيم”، تكشف عن هذه الروح بوضوح أكبر. تتكون من مجموعة مختارة من المقالات والدراسات المترجمة من الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. هذه النصوص ليست موحدة بأطروحة مغلقة، بل بقلق معرفي ورغبة في إعادة فحص الحقائق الراسخة
SOURCE: NATIONAL IRAQI NEWS AGENCY