في المجتمع الفلسطيني، لا يعتبر حفل الزفاف مجرد مناسبة عائلية عابرة؛ فهو يوم تتسع فيه دائرة الفرح لتشمل العائلة والأقارب والأصدقاء والجيران، وتعلو فيه الزغاريد والأغاني، فيما ينشغل الجميع بتفاصيل صغيرة تصنع ذكرى ينتظرها أصحابها طويلًا.
وفي بلد مثل فلسطين، حيث الاحتلال الإسرائيلي حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، تبدو هذه اللحظات مساحة نادرة يحاول الفلسطينيون فيها أن يتركوا خلفهم، ولو لساعات، ثقل الحياة اليومية.
لكن هذه المساحة لم تعد دائمًا بمنأى عن التدخل الإسرائيلي؛ ففي وقائع متكررة خلال الأشهر والسنوات الأخيرة، اقتحمت قوات الاحتلال أو الشرطة الإسرائيلية حفلات زفاف أو حاصرت محيطها، وأطلقت القنابل والغاز والرصاص، واعتقلت عرسانًا ومدعوين، وأجبرت محتفلين على الانصراف والتفتيش، فيما اضطر آخرون إلى تأجيل أفراحهم.
ويرصد مراسل “قدس برس”، من خلال متابعة هذه الوقائع وشهادات أصحابها، تكرار مشاهد بدت في كل مرة مختلفة في تفاصيلها، لكنها تتشابه في نتيجتها: عرس يتعطل، عريس يعتقل، مدعوون يحتجزون، أو مناسبة تتلاشى ذكراها التي كان يفترض أن تبقى من أجمل ما خططت لها العائلة.
عرسان خلف الاحتجاز
ففي برطعة جنوب غرب جنين، شمالي الضفة الغربية، اقتحمت قوات الاحتلال في 22 أيار/ مايو 2026 حفل زفاف العريس يزن محمد قبلها، واعتقلته من داخل الحفل.
يقول مراسل “قدس برس” إن المشهد الذي تختصر به الواقعة هو “عريس يرتدي ملابس الزفاف، وأقاربه ومدعووه من حوله، ثم يجد نفسه مقتادًا من احتفاله الذي اجتمع الجميع من أجله”.
ويرى أن اعتقال العريس تحديدًا يترك أثرًا مضاعفًا على العائلة، “فهو ليس شخصًا عابرًا في المناسبة، وإنما محور اليوم كله، وحين يغيب يصبح من الصعب الحديث عن استمرار الاحتفال بصورة طبيعية”.
وفي بيت ريما شمال غرب رام الله، وسط الضفة الغربية، كان الشاب رامي يستعد لحفل زفافه في 21 حزيران/ يونيو 2025، عندما اقتحمت قوات الاحتلال البلدة واحتجزته قبل موعد الزفاف بنحو ساعة.
أُفرج عن رامي بعد ساعات، لكن العائلة اضطرت إلى تأجيل الحفل، فيما تواصلت عمليات الاقتحام والمداهمة في البلدة.
ويصف صحفي لمراسل “قدس برس” ما جرى بأنه “مثال واضح على الطريقة التي يمكن أن يتداخل فيها الاقتحام العسكري مع تفاصيل الحياة الشخصية؛ فالعائلة التي كانت تضع اللمسات الأخيرة على زفاف ابنها وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب كل شيء لأن العريس أصبح محتجزًا”.
القاعة تحت الاقتحام
وفي عانتا شمال شرق القدس، اقتحمت قوات الاحتلال في 25 حزيران/ يونيو 2026 حفل زفاف عائلة الرفاعي، واحتجزت المشاركين لأكثر من ساعتين، قبل اعتقال العريس عمر ناصر الرفاعي وشقيقيه سعيد وجمال.
وتحدثت مصادر عائلية عن بعض التفاصيل مشيرة إلى أن قوات الاحتلال قامت بإطلاق الغاز، ما تسبب بحالات اختناق بين النساء والأطفال وكبار السن.
ويقول مراسل “قدس برس” إن “الشهادات العائلية القادمة من المكان تظهر أن الصدمة لم تكن مرتبطة بالاعتقال فقط؛ فوجود النساء والأطفال وكبار السن وسط الغاز والاقتحام جعل المناسبة بالنسبة إلى كثير من المشاركين تجربة مختلفة تمامًا عما جاؤوا من أجله”.
وفي العيزرية شرق القدس، اقتحمت قوات الاحتلال خلال آب/ أغسطس الجاري قاعة أفراح أثناء حفل زفاف لعائلة أحمد جابر، وحاصرته، وفق إفادات محلية، الرصاص وقنابل الصوت وغاز الفلفل، فيما اعتُقل عدد من الحاضرين، بينهم العريس.
ويشير مراسل “قدس برس” إلى أن دخول القوة إلى داخل القاعة “يعني أن التدخل لم يعد في محيط المناسبة، وإنما وصل إلى المساحة الخاصة التي اجتمعت فيها العائلة والضيوف”.
عندما يصبح محيط القاعة مصدر الخطر
وفي قراوة بني زيد شمال غرب رام الله، فقد كان المشهد مختلفًا قليلًا، حيث أطلقت قوات الاحتلال خلال حفل زفاف في آب/ أغسطس الجاري الرصاص بكثافة الحي قرب صالة أفراح.
ورغم أن قوات الاحتلال لم تدخل القوات إلى القاعة، لكن صوت الرصاص كان كافيًا لإرباك المدعوين ودفعهم إلى الاحتماء والابتعاد عن النوافذ والأبواب.
ليلة الحناء التي انتهت بالانبطاح
وفي الداخل الفلسطيني، شهدت أم الفحم خلال آب/ أغسطس الجاري واقعة أخرى، حين اقتحمت الشرطة الإسرائيلية سهرة حناء عائلة محمود العفني، وأطلقت قنابل صوتية وأجبرت عددًا من المحتفلين على الانبطاح والتفتيش.
وأشارت مصادر عائلية لمراسل “قدس برس” أن خصوصية هذه الواقعة تكمن في “المفارقة بين طبيعة المكان وما جرى داخله؛ فهي سهرة حناء يفترض أن تكون مخصصة للاحتفال، لكنها تحولت إلى مشهد تفتيش وانبطاح وقنابل صوتية”.
من الخليل إلى السؤال الأكبر
وفي الخليل جنوبا، اقتحمت قوات الاحتلال في 31 كانون الثاني/ يناير 2025 حفل زفاف لعائلة أبو تركي في قاعة صوفيا بمنطقة البقعة، واحتجزت العريس وعددًا من المشاركين قرابة ساعة، وأجبرتهم على رفع أيديهم قبل الإفراج عنهم.
وبحسب مراسل “قدس برس”، فإن الرواية الإسرائيلية في عدد من هذه الوقائع تتحدث عن أسباب أمنية، أو الاشتباه بوجود أسلحة، أو مخالفات تتعلق بالنظام العام.
لكن الجانب الآخر من المشهد، كما يقول، “هو أثر هذه الإجراءات على العائلة والمناسبة، وعلى شعور الفلسطيني بأن حياته الخاصة يمكن أن تصبح في أي لحظة جزءًا من المشهد الأمني”.
ففي كل واقعة، تبقى التفاصيل الإنسانية هي الأكثر حضورًا: عريس كان ينتظر التهاني فوجد نفسه معتقلًا، عائلة اضطرت إلى تأجيل حفلها، مدعوون أجبروا على الانبطاح، طفل أصيب بالاختناق، وشاب خرج من عرسه مصابًا بقنبلة غاز.
لا تبدو هذه الوقائع، بالنسبة إلى أصحابها، مجرد حوادث أمنية تنتهي بانسحاب القوات؛ فهي ذكريات ستبقى مرتبطة باليوم الذي كان يفترض أن يكون من أجمل أيام حياتهم.
وهنا تكمن المفارقة الأشد قسوة: في الوقت الذي يحاول فيه الفلسطيني أن يصنع من عرسه إعلانًا عن بداية حياة جديدة، يجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن حق بسيط جدًا؛ أن يفرح، ولو ليلة واحدة، دون أن يخشى أن تنتهي الزغاريد بصوت القنابل.
ويبقى السؤال الذي تتركه هذه الحكايات مفتوحًا: إذا كانت الأعراس واحدة من آخر المساحات التي يحاول الفلسطيني أن يحمي فيها فرحه من قسوة الواقع، فماذا يبقى له حين تصل يد الاحتلال إليها أيضًا؟
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY