Search
Close this search box.

من بين النزوح والغياب.. نسيبة شعراوي تحقق 99.4% وفاءً لحلم أمها

في كل نجاح، يبحث الإنسان تلقائيًا عن أول شخص يحتضنه ويبارك له. أما الطالبة الفلسطينية نسيبة شعراوي، فقد بحثت بعينيها عن أمها، فلم تجد سوى الذكريات. ورغم الغياب، شعرت أن صاحبة الدعوات التي رافقتها منذ طفولتها كانت الأقرب إليها في لحظة إعلان نتائج الثانوية العامة، حين ظهر على الشاشة الرقم 99.4%.

لم يكن الطريق إلى هذا المعدل مفروشًا بالهدوء أو الاستقرار، بل كان مليئًا بالفراغ الذي تركه رحيل الأم، والنزوح، والحرب، وأسئلة كثيرة كانت نسيبة تواجهها وحدها. لكنها كانت، كلما شعرت بالانكسار، تستعيد الرسالة التي كتبتها لها والدتها من على فراش المرض، واختارت نسيبة أن تحمل كلماتها معها وتبقيها قريبة منها بعد رحيلها:

“إلى ملاكي الصغير… أميرتي، أريدك أن تكوني خير البشر”

تلك العبارة التي كتبتها والدتها، أزهار، بيدها اليسرى، تحولت إلى رفيقة يومية لنسيبة. كانت الأم غائبة بالجسد، لكنها حاضرة في تفاصيل الدراسة، وفي ساعات السهر الطويلة، وفي الأوراق التي امتلأت بالملاحظات، وفي الدموع التي كانت نسيبة تخفيها حتى لا تهزمها لحظة ضعف.

وعندما أُعلنت النتائج، لم يكن الرقم بالنسبة إليها مجرد إنجاز أكاديمي، بل كان محطة أوفت فيها بوعد قديم قطعته في سرها: أن تحقق النجاح الذي كانت أمها تحلم برؤيته، حتى وإن لم تكن موجودة لتصفق لها أو تلتقط معها صورة التخرج.

تقول نسيبة: “أصعب ما في النجاح هو أن يفتقد الإنسان من كان ينتظر أن يشاركه الفرحة، لكنني لم أشعر بأنها غائبة عني، فأنا على يقين بأنها كانت تبارك لي من مكان آخر”.

وتضيف لـ”قدس برس”: “مع كل جلسة امتحان، كنت أستشعر دعواتها ترافقني، وكأنها تطبطب على قلبي وتدفعني نحو التركيز لتحقيق حلمها وحلم طفولتي، واجتياز عتبة الطب البشري”.

وتتأمل الشابة ذات الثمانية عشر ربيعًا صورة أمها في ذاكرتها، التي لم تتوقف يومًا عن استحضارها، معتبرة أن كل صفحة تدرسها هي رسالة وفاء لامرأة آمنت بقدراتها قبل الجميع. فكلما شعرت بالتعب، عادت إلى كلمات أمها، وكأنها تسمعها من جديد، فتواصل طريقها بإصرار أكبر.

وتتابع: “كنت أتمنى لو كانت أمي موجودة لحظة إعلان النتائج، لتأخذني في حضنها وتبارك لي، ولكنني اخترت كلماتها لتكون وشاحًا يحتضنني، وكأن يديها تحاوطانني وتطبطبان على قلبي وتقولان: أنا معك، ولم أغب عنك لحظة”.

ورغم قسوة الظروف، لم تكن نسيبة وحدها في مواجهة مصاعب الحياة في غزة. تقول: “لم يتركني من حولي لنفسي أواجه مصاعب الوضع الذي تعيشه غزة، فكان أبي وأخوالي وخالاتي من أول الداعمين لي، يحاولون بأقصى طاقتهم توفير أدنى مقومات البيئة الملائمة للدراسة، حتى لا أشعر بأي نقص أو حاجة إلى تلك الغائبة التي لم تختفِ كلماتها وصورتها عني أبدًا”.

وتحملت نسيبة مسؤولية شقيقيها، المعاذ والمقداد، وكانت أهلًا للثقة التي زرعها فيها والدها ووالدتها، فتحملت مسؤوليات كبيرة في سن مبكرة، قبل أن يواصل والدها وأفراد عائلتها مساندتها خلال رحلتها في الثانوية العامة.

وتوضح أن مساندة من حولها خففت عنها ثقل الأيام والمعاناة التي عاشتها في ظل الحرب وعدم الاستقرار والتنقل والنزوح بين رفح وخانيونس والزوايدة، وصولًا إلى مدينة غزة.

ورغم وصولها إلى هذا الإنجاز، ترى نسيبة أن رحلة الدراسة لم تنتهِ، بل إن ما حققته ليس سوى أولى عتبات سلم طويل نحو دراسة الطب البشري. تحلم بأن تصبح طبيبة تساعد المرضى، وأن تكون سببًا في ألا تفقد طفلة أمها وتحرم من وجودها منذ الصغر، كما حدث معها.

وهكذا، عبرت نسيبة إلى التفوق بمعدل 99.4%، حاملة معها أكثر من شهادة نجاح؛ حملت كلمات أمها، ودعواتها، وذكراها، ووعدًا قديمًا لم يكن الغياب قادرًا على إطفائه.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY